حبيب الله الهاشمي الخوئي
249
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
في فتن تنجذم فيها حبل الدّين وتزعزعت سواري اليقين واختلف النجر وتشتّت الأمر وضاق المصدر وعمى المخرج « إلى قوله » فهم فيها تائهون حائرون جاهلون مفتونون . ( وقد قادتهم أزمّة الحين ) أي أزمّة الهلاك كانت تجرّهم وتقودهم إلى الهلاك الدّائم والخزي العظيم ، فالمراد بالحين الهلاك الأخروي لا الهلاك الدّنيوي والموت كما زعمه البحراني ، واستعار لفظ الأزمة للمعاصي والآثام وشبههم بالحيوان الذي يتبع قائده ويسير خلفه ، يعني أنّهم يتبعون الشّهوات ويسيرون خلف السّيئات فتقودهم إلى هلاك الأبد . ( واستغلقت على أفئدتهم أقفال الرّين ) شبّه رين الذنوب وهو وسخها ودنسها بالأقفال المغلقة وهو من تشبيه المعقول بالمحسوس ووجه الشبه أنّ الأقفال إذا أغلقت على الأبواب تمنع من الدّخول في البيت فكذلك رين الذّنوب إذا طبع على القلوب يمنع من دخول أنوار الحقّ فيها كما قال سبحانه * ( « بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ » ) * وذكر الاستغلاق ترشيح للتشبيه أي استحكمت في قلوبهم أو ساخ الذّنوب بحيث صارت مانعة من إفاضة أنوار الحقّ إليها كالبيوت المغلقة بالأقفال المانعة من الدخول عليها . ثمّ شرع فيما هو الغرض الأصلي من الخطبة وهو النّصح والموعظة فقال : ( أوصيكم عباد اللَّه بتقوى اللَّه فانّها حقّ اللَّه عليكم ) لما كان التقوى عبارة عن إتيان الواجبات واجتناب المنهيات جعلها حقّا للَّه سبحانه ، إذ حقّه على عباده أن يعبدوه ويوحّدوه كما قال عزّ من قائل * ( « وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ » ) * . ( والموجبة على اللَّه حقّكم ) أي جزاءكم ، وأتى بلفظ الحق للمشاكلة ومثله ما صدر عن صدر النّبوة في رواية معاذ المتقدّمة في شرح الفصل الرابع من المختار الأوّل قال : كنت رفقت النّبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فقال يا معاذ هل تدرى ما حقّ اللَّه على العباد يقولها ثلاثا قلت : اللَّه ورسوله أعلم فقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : حقّ اللَّه عزّ وجلّ على العباد أن لا يشركوا به شيئا ، ثمّ قال : هل تدري ما حقّ العباد على اللَّه إذا فعلوا ذلك